الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
641
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
إن كنت تزعم حبى * فلم هجرت كتابي أما تأملت ما في * ه من لذيذ خطابي ويروى أن عثمان بن عفان قال : لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام اللّه وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه . قال النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لعبد اللّه بن مسعود : « اقرأ على » قال : أقرأ عليك ، وعليك أنزل ؟ فقال : « إني أحب أن أسمعه من غيرى » . فاستفتح وقرأ سورة النساء حتى بلغ فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً « 1 » قال : « حسبك » ، فرفع رأسه فإذا عينا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - تذرفان من البكاء « 2 » . رواه البخاري . وهذا يجده من سمع الكتاب العزيز بأذن قلبه ، قال اللّه تعالى : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ « 3 » . قال صاحب « عوارف المعارف » - أذاقنا اللّه حلاوة مشربه - : هذا السماع هو السماع الحق ، الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل الإيمان ، محكوم لصاحبه بالهداية ، وهذا سماع ترد حرارته على برد اليقين ، فتفيض العين بالدمع ، لأنه تارة يثير حزنا ، والحزن حار ، وتارة يثير شوقا ، والشوق حار ، وتارة يورث ندما ، والندم حار ، فإذا أثار السماع هذه الصفات ، من صاحب قلب مملوء ببرد اليقين بكى وأبكى ، لأن الحرارة والبرودة إذا اضطربتا عصرتا ماء ، فإذا ألمّ السماع بالقلب تارة يخف إلمامه فيظهر أثره في الجسد ويقشعر منه الجلد ، قال اللّه تعالى : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ « 4 » ، وتارة يعظم وقعه ويتصوب أثره - أي يقصد - نحو الدماغ فتندفق منه العين بالدمع ،
--> ( 1 ) سورة النساء : 41 . ( 2 ) صحيح : والحديث أخرجه البخاري ( 4582 ) في التفسير ، باب : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ، ومسلم ( 800 ) في صلاة المسافرين ، باب : فضل استماع القرآن . ( 3 ) سورة المائدة : 83 . ( 4 ) سورة الزمر : 23 .